أكد الكاتب جيفري ساكس وسبيبل فارس أن الحرب الفاشلة على إيران كشفت حدود القوة الأمريكية، وأثبتت أن محاولة واشنطن فرض هيمنتها على العالم لم تكن سوى وهم استمر لعقود. ويرى الكاتبان أن الولايات المتحدة، التي احتفلت بعيد استقلالها الـ250، تحتاج إلى إعادة تعريف دورها الدولي، والانتقال من السعي للسيطرة إلى التعاون داخل نظام عالمي متعدد الأقطاب.
نشر موقع ميدل إيست آي مقالًا تحليليًا للكاتبين جيفري د. ساكس وسبيبل فارس تناول التحولات التي فرضتها الحرب على إيران، وانعكاساتها على مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، موضحًا أن مرحلة الهيمنة الأمريكية المنفردة وصلت إلى نهايتها، وأن دول المنطقة بحاجة إلى بناء سياسات أكثر استقلالية بعيدًا عن الاعتماد الكامل على واشنطن.
نهاية وهم القوة الأمريكية المطلقة
بدأت قصة التحول الحالي قبل 35 عامًا مع انهيار الاتحاد السوفييتي، حين اعتبرت واشنطن اختفاء منافسها الأكبر فرصة لإعادة تشكيل العالم وفق رؤيتها الخاصة. وتحولت اللحظة الأحادية القطبية عام 1991 إلى عقيدة سياسية رسخت فكرة التفوق الأمريكي الدائم، ودفع ذلك الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى محاولة تثبيت نفوذها في مختلف مناطق العالم.
جسّد المفكر الأمريكي زبيجنيو بريجنسكي هذا التصور في كتابه "رقعة الشطرنج الكبرى" عام 1997، حين ناقش أهمية سيطرة الولايات المتحدة على أوراسيا ومنع ظهور قوة قادرة على تحدي نفوذها. ومع مرور الوقت، تحولت فكرة التفوق الأمريكي من واقع مؤقت إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد أصبح من الصعب التخلي عنه رغم الإخفاقات المتكررة.
واعتمدت دول عربية عديدة على النفوذ الأمريكي باعتباره مصدرًا أساسيًا للأمن والحماية، مقابل قبول القيادة الأمريكية وتوفيرها الأسلحة والتكنولوجيا والدعم المالي. وبرز ذلك من خلال شبكة القواعد العسكرية المنتشرة في الخليج، من الأسطول الخامس في البحرين إلى قاعدة العديد في قطر وقواعد أخرى في السعودية والإمارات والكويت.
لكن الحرب على إيران أعادت طرح سؤال جوهري حول طبيعة هذا الحضور العسكري، وما إذا كانت هذه القواعد تخدم بالفعل أمن المنطقة أم تعكس اعتمادًا طويل الأمد على قوة خارجية.
حرب إيران تكشف حدود الهيمنة
أظهرت الحرب على إيران أن التفوق العسكري الأمريكي لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق الأهداف السياسية. فبعد الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، والذي استهدف القيادة الإيرانية بهدف تغيير النظام، واجهت واشنطن حدود قدرتها على فرض نتائجها بالقوة.
لم تنهَر الدولة الإيرانية كما توقعت الولايات المتحدة وإسرائيل، بل ردت طهران عبر ضربات إقليمية وإغلاق مضيق هرمز، ما تسبب في أزمة طاقة واضطرابات اقتصادية عالمية. وبعد أشهر من القصف والخسائر البشرية والمالية، انتهى الصراع إلى هدنة هشة بدلًا من تحقيق هدف تغيير النظام الذي أعلنت عنه واشنطن.
ويرى الكاتبان أن الحرب كشفت فشل الاستراتيجية الأمريكية، إذ لم تحقق إسقاط الحكومة الإيرانية أو إخضاعها، بينما استفادت شركات السلاح من استمرار الصراع، في حين أصبحت دول الخليج التي اعتمدت على المظلة الأمريكية أكثر عرضة للمخاطر.
وأثبتت هذه التجربة أن بناء الأمن الإقليمي على أساس استمرار الهيمنة الأمريكية لم يعد خيارًا مضمونًا، وأن دول المنطقة بحاجة إلى مراجعة حساباتها الاستراتيجية.
نحو نظام إقليمي مستقل ومتعدد الأقطاب
يرى ساكس وفارس أن الولايات المتحدة مطالبة بالتخلي عن محاولة فرض حلولها الخاصة على الشرق الأوسط، والاعتراف بأن عصر الإملاءات العسكرية انتهى. ويشير الكاتبان إلى أن الطريق الأكثر واقعية أمام واشنطن يتمثل في دعم حلول قائمة على القانون الدولي والعدالة، وعلى رأسها حل القضية الفلسطينية.
ويؤكد المقال أن أي تسوية مستقبلية تحتاج إلى إنهاء مشروع "إسرائيل الكبرى" القائم على استمرار الاحتلال والتوسع، باعتباره أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار الصراعات في المنطقة. ويشير إلى أن تحقيق السلام يتطلب إقامة دولة فلسطينية وإسرائيلية تعيشان جنبًا إلى جنب، أو إنشاء دولة ديمقراطية واحدة تضمن الحقوق المتساوية للجميع.
أما الدول العربية، فيدعوها المقال إلى إنهاء الاعتماد على القوة الأمريكية وبناء استراتيجية إقليمية مستقلة تقوم على التعاون والوحدة بدلًا من التنافس على رضا واشنطن. ويؤكد أن إقامة علاقات مستقرة مع إيران، باعتبارها دولة مجاورة لا يمكن تجاهلها، تمثل جزءًا أساسيًا من بناء أمن إقليمي جديد.
كما يرى الكاتبان أن دول الخليج تمتلك الموارد المالية والطاقة البشرية التي تمكنها من صياغة مستقبلها بنفسها، خاصة مع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والنظام الدولي متعدد الأقطاب.
ويختتم المقال بالتأكيد على أن الولايات المتحدة أمام خيار تاريخي: إما قبول عالم جديد يمكنها التأثير فيه دون السيطرة عليه، أو الاستمرار في مقاومة تحولات لم يعد بالإمكان عكسها. أما المنطقة العربية، فتكمن فرصتها في استعادة استقلال القرار وبناء مستقبل قائم على التعاون والكرامة والسلام بدلًا من انتظار الحماية الخارجية.
https://www.middleeasteye.net/opinion/250-its-time-awaken-dream-american-primacy

